محمد الغزالي

227

فقه السيرة ( الغزالي )

لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) [ الأنفال ] . والذين كرهوا لقاء قريش ما كانوا ليهابوا الموت ، ولكنّهم لم يعرفوا الحكمة في خوض معركة مباغتة دون إتقان ما ينبغي لها من عدة وعدد ، بيد أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وزن الظروف الملابسة للأمر كله ، فوجد الإقدام خيرا من الإحجام ، ومن ثمّ قرر أن يمضي ، فإنّ الحكمة من توجيه هذه البعوث المسلحة تضيع سدى لو عاد على هذا النحو . وقد اختفت - على عجل - مشاعر التردّد ، وانطلق الجميع خفافا إلى غايتهم . والمسير بإزاء طريق القوافل إلى ( بدر ) ليس سفرا قاصدا ، أو نزهة لطيفة ، فالمسافة بين ( المدينة ) و ( بدر ) تربو على ( 160 ) كيلو مترا ، ولم يكن مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحبه غير سبعين بعيرا يعتقبونها . روى أحمد « 1 » عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : « كنّا يوم بدر ، كلّ ثلاثة على بعير - أيّ يتعاقبون - . وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فكانت عقبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالا له : نحن نمشي عنك - ليظلّ راكبا - فقال : « ما أنتما بأقوى منّي على المشي ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما » ! ! . وبثّ المسلمون عيونهم يتعرّفون أخبار قريش : أين القافلة ، وأين الرجال الذين قدموا لحمايتها ؟ . [ فرار أبي سفيان بالقافلة ، واستصراخه أهل مكة ] : حين أحسّ أبو سفيان الخطر على قافلته ، بعث ( ضمضم بن عمرو الغفاري ) إلى مكة يستصرخ أهلها ، حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم . واستطاع ( ضمضم ) هذا إزعاج البلدة قاطبة ؛ فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفه ، وحوّل رحله ، وشقّ قميصه ، يصيح : يا معشر قريش ! اللطيمة اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمّد وأصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث ! .

--> ( 1 ) في المسند ، رقم ( 3901 ، 3965 ) ، وسنده حسن ؛ وأخرجه الحاكم : 3 / 20 ، وقال : « حديث صحيح على شرط مسلم » .